📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
لا يكفي تدريب الشباب وتأهيلهم لسوق العمل لضمان حصولهم على وظائف مستدامة، إذ تكشف تجربة أحد مشروعات التوظيف في تونس، أن معالجة بطالة الشباب تتطلب جهوداً تتجاوز تنمية المهارات، لتشمل تسهيل الوصول إلى فرص العمل ودعم الاستمرار فيها.فبينما تُطرح على الحكومات وشركائها في التنمية، تساؤلات بشأن سبل معالجة بطالة الشباب، غالباً ما تتصدر تنمية المهارات قائمة الحلول المقترحة، لتتجه الميزانيات نحو دراسة احتياجات أصحاب العمل، وتطوير مناهج تدريبية تستجيب لهذه الاحتياجات، وتعزيز منظومات التدريب المهني الحكومية.
لكن هذة الجهود، رغم دورها في إعداد الشباب لسوق العمل، لا تضمن بالضرورة حصولهم على وظائف أو استمرارهم فيها، بحسب تقرير نشره “المنتدى الاقتصادي العالمي”.
ويشير التقرير إلى أن الأبحاث تُظهر أن التدريب يحقق أفضل نتائجه عندما يقترن بخدمات التوظيف والمتابعة المستمرة، بما يشمل الوصول إلى الشباب وإتاحة فرص العمل أمامهم، فضلاً عن مواصلة دعمهم بعد التحاقهم بوظائفهم.
ورغم أهمية التدريب، فإن إعادة دمج الشباب الذين طالت فترات بطالتهم في سوق العمل تستلزم ثلاث خطوات مترابطة، تبدأ بالوصول إليهم، ثم تأهيلهم للوظائف المتاحة، وتنتهي بمساعدتهم على الاحتفاظ بوظائفهم بعد التعيين.
غير أن معظم مسارات التوظيف تتعثر عند الخطوتين الأولى والأخيرة، وهما تحديداً الأقل حظاً من الدعم ضمن السياسات العامة الحالية، ما يكشف عن فجوة بين جهود التأهيل المهني ومتطلبات التوظيف المستدام.
ولسد هذه الفجوة ومعالجة بطالة الشباب بفاعلية، تحتاج الحكومات وأصحاب العمل إلى تبني نهج متكامل للاستثمار في مختلف مراحل التوظيف، بدءاً من الوصول إلى الباحثين عن عمل، مروراً بإعدادهم للفرص المتاحة، وصولاً إلى تقديم الدعم اللازم لهم خلال الأسابيع الأولى من التحاقهم بوظائفهم.
أطلقت وزارة التشغيل والتكوين المهني التونسية، في مايو 2025، برنامج “إف بي آر آت وورك”، القائم على التمويل المرتبط بالنتائج، بدعم من الحكومة السويسرية وصندوق نتائج التعليم.
ويستهدف البرنامج توفير وظائف دائمة لنحو 1500 شاب تونسي ممن تجاوزت فترات بطالتهم عاماً واحداً، بالتعاون مع الجهات الحكومية والشركات الراغبة في التوظيف ومقدمي خدمات التشغيل.
ورغم أن البرنامج صُمم في الأساس لمعالجة فجوة المهارات، شأنه شأن معظم المبادرات المماثلة، فإن نتائج عامه الأول كشفت أن التحديات التي تعوق حصول الشباب على وظائف مستقرة واستمرارهم فيها تتجاوز نقص التدريب والتأهيل المهني.
فقد أظهرت التجربة أن العقبة الأولى تتمثل في الوصول إلى الباحثين عن عمل، إذ لا تحتاج الشركات التي تسعى إلى توظيف أعداد كبيرة بالضرورة إلى مرشحين أكثر تأهيلاً، بقدر حاجتها إلى العثور على عدد كافٍ من المتقدمين لشغل الوظائف المتاحة.
وتبرز هذه المشكلة في تجربة أحد موردي قطاع السيارات بمحافظة جندوبة، شمال غربي تونس، الذي كان بحاجة إلى تعيين 700 عامل تشغيل خلال فترة قصيرة، لتجنب خسارة عقد كبير.
فرغم استعداد الشركة لتدريب العمال الجدد بنفسها، فإنها واجهت صعوبة في العثور على العدد المطلوب، ما كشف أن التحدي الحقيقي لم يكن نقص المهارات، وإنما القدرة على الوصول إلى العمالة المحتملة بالسرعة والأعداد التي تتناسب مع احتياجاتها.
وأظهرت التجربة أيضاً أن نجاح استقطاب المرشحين لا يتوقف على كفاءة الجهة المنفذة وحدها، إذ سجل الشريك التنفيذي نفسه في برنامج “إف بي آر آت وورك” نتائج متفاوتة بشكل كبير بين منطقتين في تونس، رغم تطبيق نموذج العمل ذاته، نتيجة اختلاف مستوى تعاون السلطات المحلية في الوصول إلى الباحثين عن عمل.
ففي جندوبة، شاركت المحافظة والإدارة الجهوية للتشغيل ومكاتب التشغيل المحلية والبلديات في حشد المرشحين، من خلال جهود ميدانية شملت تنظيم حملات للطرق على أبواب المنازل للوصول إلى العمالة المحتملة.
هذه الجهود أسفرت عن توظيف نحو 500 شخص، بينهم أكثر من 140 شاباً تنطبق عليهم شروط الاستفادة من برنامج تشغيل الشباب العاطلين عن العمل.
في المقابل، لم تتجاوز جهود التعاون في منطقة إدارية محلية أخرى نطاق الاجتماعات، دون أن يتمكن أي شاب من المشاركين في البرنامج من توقيع عقد عمل دائم، ما يبرز أهمية التنسيق الفعلي بين الجهات الحكومية والمحلية ومقدمي خدمات التوظيف في الوصول إلى المرشحين وتحويل الفرص المتاحة إلى وظائف فعلية.
كشفت تجربة برنامج “إف بي آر آت وورك” عن فجوة بين خطط التدريب واحتياجات أصحاب العمل، بعدما وضع أحد مقدمي خدمات التوظيف المشاركين في البرنامج خطة لتدريب الشباب لمدة 320 ساعة قبل التحاقهم بالوظائف، في حين اعتبرت الشركات التي تسعى إلى شغل وظائفها الشاغرة أن حتى 100 ساعة تدريبية تمثل فترة طويلة، في ظل حاجتها إلى تعيين العمالة بوتيرة أسرع.
استجابة لهذه المتطلبات، سمح البرنامج للشباب ببدء العمل بعد استكمال 40 ساعة تدريبية فقط، قبل الانتقال إلى نموذج التوظيف المباشر الذي يتيح لهم اكتساب المهارات الفنية والتخصصية أثناء ممارسة العمل.
ورغم استمرار إلزامية التدريب، فقد تقلصت مدته وتحول التركيز نحو تنمية المهارات الشخصية والسلوكية التي تساعد الشباب على التكيف مع بيئة العمل والاحتفاظ بوظائفهم، بما يسهم في خفض معدلات دوران العمالة داخل الشركات.
إلا أن الحصول على عقد عمل لا يعني بالضرورة ضمان الاستقرار الوظيفي، إذ يواجه بعض الموظفين الجدد خطر فقدان وظائفهم خلال الأسابيع الأولى، نتيجة غياب التوجيه والدعم، أو تضارب التعليمات، أو انتهاء فترات تجربة غير رسمية دون إبرام عقود عمل.
وأظهرت نتائج استطلاع أجراه أحد مقدمي خدمات التوظيف المشاركين في البرنامج أن كثيراً من الشباب الذين التحقوا بوظائف جديدة وجدوا أن التدريب الذي تلقوه يتوافق مع متطلبات العمل، بينما أشار بعضهم إلى مشكلات تتعلق أساساً بضعف الدعم أو صعوبة التعامل مع المديرين.
تبرز هذه النتائج أهمية توفير المساندة للموظفين الجدد منذ اليوم الأول، مع استمرار التواصل بينهم وبين مقدمي خدمات التوظيف، للتدخل عند الحاجة والمساعدة في تسوية المشكلات التي قد تنشأ مع أصحاب العمل، بما يعزز فرص استمرارهم في وظائفهم.
وفي تونس، تتيح اللوائح التنظيمية تخصيص تمويل حكومي لتدريب الباحثين عن عمل، إلى جانب تمويل برامج التدريب الفني وتنمية المهارات خلال السنة الأولى من التوظيف، لكنها لا توفر دعماً مماثلاً للخدمات المرتبطة بتهيئة الموظفين الجدد للاندماج في بيئة العمل.
هذه الخدمات تختلف عن التدريب التقليدي، إذ تشمل مساعدة العاملين الجدد على التأقلم مع وظائفهم، وفهم متطلبات أصحاب العمل وتوقعاتهم، والتعامل مع التحديات التي قد تواجههم، فضلاً عن التدخل لحل المشكلات المهنية خلال المراحل الأولى من التوظيف.
ولا تتضمن اللوائح الحالية أحكاماً تتيح تمويل هذه الخدمات أو جهود الوصول إلى المرشحين المحتملين للوظائف، ما يعني أن الإنفاق الحكومي يغطي تنمية المهارات دون بقية المراحل الضرورية لضمان التوظيف المستدام، وهي فجوة لا تقتصر على تونس وحدها.
تتطلب معالجة أوجه القصور في مسارات توظيف الشباب إجراء ثلاثة تحولات رئيسية في سياسات التمويل الحكومية، بما يضمن توجيه الموارد إلى المراحل التي تعوق حصول الشباب على وظائف مستقرة واستمرارهم فيها، بدلاً من التركيز على التدريب وحده.
يتمثل التحول الأول في تمويل خدمات استقطاب الباحثين عن عمل باعتبارها نشاطاً مستقلاً، إذ يتطلب الوصول إلى الشباب غير المسجلين لدى مكاتب التشغيل الحكومية مهارات متخصصة، تتيح استقطاب المرشحين بالسرعة والأعداد التي تتناسب مع احتياجات أصحاب العمل.
وتستهدف هذه الخدمات استكمال دور الجهات الحكومية لا الحلول محلها، فيما تزداد فاعليتها عندما تشارك السلطات المحلية بصورة مباشرة في تنفيذها.
أما التحول الثاني فيركز على تمويل الدعم المقدم خلال الأسابيع الأولى من التوظيف، من خلال تخصيص جهة اتصال واضحة للموظفين الجدد، وتوفير المساندة لهم منذ اليوم الأول، إلى جانب التدخل للوساطة وحل المشكلات التي قد تنشأ داخل بيئة العمل.
ورغم أن هذا الدعم يقتصر على فترة زمنية محددة، فإنه يتطلب جهوداً مكثفة وخبرات في التعامل مع أصحاب العمل وتسوية النزاعات المهنية، فضلاً عن القدرة على تقديم التدريب اللازم.
يرتبط التحول الثالث بتمويل الجهود الرامية إلى إصلاح مسارات التوظيف المتعثرة، إذ أتاح نظام التمويل القائم على النتائج رصد الفجوات التي تعوق حصول الشباب على وظائف واستمرارهم فيها، بعدما رُبط صرف مستحقات الشركاء المسؤولين عن استقطاب المرشحين بتحقيق هذين الهدفين.
وشجع هذا النظام مقدمي خدمات التوظيف على معالجة أوجه القصور في مختلف مراحل التوظيف، بالتوازي مع تقديم التدريب، وليس باعتباره بديلاً عنه.
رغم النتائج التي حققها برنامج “إف بي آر آت وورك” في تونس، فإن تجربته لا تزال تواجه بعض القيود، إذ إن مرور عام واحد على بدء التنفيذ لا يكفي لإثبات فاعلية النموذج على المدى الطويل، كما أن الدروس المستفادة منه تناسب بدرجة أكبر الشركات التي توظف أعداداً كبيرة من العاملين، بينما يصعب تطبيق الآليات نفسها على المؤسسات التي تقتصر احتياجاتها على تعيين موظف أو اثنين في كل مرة.
ولا تتوقف تحديات التوظيف عند توفير التدريب وربط الشباب بالفرص المتاحة، إذ يمكن أن تعوق السياسات والحوافز الاقتصادية الأوسع نجاح هذه الجهود.
ففي تونس، قد يعزف بعض الشباب عن قبول عقود العمل الدائمة إذا كانت العقود المدعومة توفر لهم دخلاً صافياً أعلى، أو إذا كان الالتحاق بوظيفة سيؤدي إلى فقدان مزايا يحصلون عليها خلال فترات عدم العمل، مثل الرعاية الصحية المجانية.
وتوضح تجربة توظيف نحو 500 شخص في جندوبة أن المهارات المهنية كانت ضرورية لشغل الوظائف، وأن صاحب العمل كان مستعداً لتوفير التدريب اللازم، لكن العامل الحاسم في نجاح التوظيف تمثل في الجهود المبذولة للوصول إلى المرشحين واستقطابهم، ثم تقديم الدعم لهم خلال المراحل الأولى من التحاقهم بالعمل.
تؤكد هذه التجربة أن تحقيق الترابط بين تنمية المهارات وخلق فرص العمل، وهو النهج الذي تتبناه الحكومات والجهات المانحة، يتطلب خدمات متكاملة تبدأ بالبحث عن المرشحين المناسبين قبل التعيين، وتمتد إلى مساندتهم خلال الأسابيع الأولى الحاسمة من بدء وظائفهم الجديدة.
في هذا السياق، يتيح التمويل القائم على النتائج الكشف عن الفجوات التي تعوق التوظيف المستدام، من خلال ربط مستحقات مقدمي خدمات التوظيف بنجاح الشباب في الحصول على وظائف والاحتفاظ بها، بدلاً من احتساب التمويل وفق عدد ساعات التدريب المقدمة.
كما يمنح هذا النموذج مقدمي الخدمات مرونة أكبر للتعامل مع العقبات التي قد تظهر في مختلف مراحل التوظيف، وتعديل آليات التدخل بما يتناسب مع احتياجات الشباب وأصحاب العمل.
وتخلص التجربة إلى أن تنمية المهارات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان حصول الشباب على وظائف مستقرة، ما يجعل توفير مسار متكامل يجمع بين التأهيل والوصول إلى فرص العمل والدعم بعد التعيين شرطاً أساسياً لتعزيز التوظيف المستدام على المدى الطويل.
---