📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
دعا الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة 2030، إلى إعادة صياغة أولويات تمويل الصناعة العربية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والاستثماري بين الدول العربية، في ظل تصاعد أعباء الديون وارتفاع تكلفة التمويل وتغير خريطة الاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من التعامل مع الأزمات إلى بناء قدرات اقتصادية وإنتاجية قادرة على مواجهة الصدمات.وقال محيي الدين، خلال كلمته بمؤتمر القمة العربية للصلب، إن الصناعة العربية تواجه تحديات متداخلة على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية، وصولًا إلى انعكاس السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين، مشيرًا إلى أن المنطقة تمتلك فرصًا كبيرة، لكن الاستفادة منها تتطلب التحرك بإجراءات عملية بدلًا من الاكتفاء برصد الفرص الضائعة.
وأضاف أن العالم يشهد تحولات متسارعة في ملفات الطاقة والديون والذكاء الاصطناعي، وهي ثلاثة ملفات باتت تؤثر بصورة مباشرة على مستقبل الصناعات وسلاسل الإمداد وتدفقات الاستثمار.
وأوضح أن معدلات النمو الاقتصادي العالمي تدور بين 3.1% و3.4%، وهي من أدنى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، ولا تكفي لتوفير فرص العمل المطلوبة، خاصة أن الدول النامية تحتاج إلى تحقيق معدلات نمو لا تقل عن 7%، على أن تكون مستدامة وشاملة.
وعلى المستوى الإقليمي، أشار محيي الدين إلى أن الاقتصادات العربية تواجه تراجعًا في معدلات النمو، بالتزامن مع ارتفاع التضخم مقارنة بالمتوسط العالمي، بجانب محدودية التجارة والاستثمارات البينية، وضعف حركة انتقال العمالة العربية مقارنة بالإمكانات المتاحة.
ولفت إلى أن تكلفة التمويل تمثل التحدي الأكبر أمام قطاع واسع من الصناعيين العرب، في وقت لا تمتلك فيه سوى 8 دول عربية من إجمالي 22 دولة مستويات الجاهزية المطلوبة للاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأكد أن حصة دول الخليج التي تتراوح بين 2% و2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لا تعكس حجم تأثيرها الاقتصادي الفعلي، بالنظر إلى دورها المحوري في أسواق الطاقة والمواد الخام والمنتجات الصناعية والأسمدة والخدمات المالية وسلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف أن تداعيات التطورات الجارية في منطقة الخليج تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، بما يعكس الأهمية الاستراتيجية للمنطقة التي تتجاوز وزنها النسبي في الناتج العالمي.
وفيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي على المستوى الوطني، طرح محيي الدين إطارًا موسعًا للتعامل مع التحديات، استنادًا إلى الوصفة التي قدمتها كريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، خلال القمة العالمية للحكومات في دبي، والتي ترتكز على ثلاثة محاور تبدأ بحرف D، هي تخفيف القيود التنظيمية (Deregulate)، والتحول الرقمي (Digitalize)، وتنويع الأنشطة الاقتصادية (Diversify).
وأضاف إليها ثلاثة محاور أخرى تشمل السكان (Demography)، والدولار (Dollar)، والديون (Debt)، إلى جانب عنصر سابع يتمثل في الحوكمة، بما تتضمنه من شفافية ومساءلة ورقابة ومكافحة للفساد.
وأوضح أن الكتلة السكانية الشابة تمثل ميزة نسبية للاقتصادات العربية إذا جرى توظيفها بصورة صحيحة من خلال الاستثمار في التعليم والصحة والتشغيل، بينما تفرض تحركات الدولار وأسعار الفائدة وأعباء الديون ضرورة إعادة تقييم السياسات النقدية والمالية.
وشدد على أن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي قياسه بالمؤشرات الكلية فقط، وإنما بمدى انعكاسه على مستويات معيشة المواطنين، موضحًا أن عودة النمو لا تعني بالضرورة توفير وظائف أفضل بأجور أعلى، كما أن تراجع معدلات التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة المعيشة.
وحذر محيي الدين من تصاعد أعباء خدمة الديون باعتبارها أحد أبرز التحديات أمام تمويل التنمية والصناعة، مشيرًا إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تكفي وحدها لتقييم المخاطر، وأن المؤشرات الأكثر دلالة تتمثل في قياس خدمة الدين الخارجي إلى الصادرات، وخدمة الدين المحلي إلى الإيرادات العامة.
وأشار إلى أن الدين العام العالمي يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل حد استرشادي أوروبي يبلغ 60%، في حين تستحوذ مدفوعات الفوائد على نحو 8% من الموازنات العامة عالميًا، بما يضغط على الإنفاق المخصص لقطاعات التعليم والصحة.
ولفت إلى أن متوسط أسعار الفائدة خلال الفترة من 2010 إلى 2025 بلغ نحو 2.5% في الاقتصادات المتقدمة و5.2% في الاقتصادات النامية، مع توقعات بارتفاع هذه المستويات بنحو 2.2 نقطة مئوية حتى عام 2028، بما يعني انتهاء حقبة الفائدة المنخفضة لفترات طويلة.
وتوقع اتجاه أسعار الفائدة إلى الارتفاع، مع ترجيحات بزيادة الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، وهو ما قد يدفع دول الخليج المرتبطة عملاتها بالدولار إلى اتخاذ خطوات مماثلة، بينما تواجه اقتصادات أخرى ضغوطًا أكبر على أسعار الفائدة.
وأكد أن ارتفاع تكلفة التمويل يحد من قدرة الدول والشركات على التوسع في الاستثمارات الإنتاجية، خاصة في مشروعات الطاقة الجديدة والتحول الصناعي، التي لا تزال تعاني فجوات تمويلية، فضلًا عن بطء تعبئة الموارد وتركز جانب كبير من التمويل في الاقتصادات المتقدمة والصين.
وفي سياق تقييم الفجوة التنموية بين الدول، طرح محيي الدين مفهوم «الحصة العادلة» من الناتج العالمي، من خلال مقارنة نصيب كل دولة من سكان العالم بحصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، باعتبار أن تساوي إنتاجية عوامل الإنتاج يفترض تقارب النسبتين.
وأكد أن التحدي أمام الاقتصادات العربية لا يقتصر على تحقيق زيادات محدودة في معدلات النمو، وإنما يتطلب مضاعفة أحجام اقتصاداتها وتعزيز قدراتها الإنتاجية والتنافسية.
وأشار محيي الدين إلى أن إجمالي الديون العربية يقدر بنحو 1.3 تريليون دولار، وتستحوذ خدمة هذه الديون على نحو 15% في المتوسط، مع تجاوز هذه النسبة في عدد من الدول، ما يحد من الموارد المتاحة لتمويل الاستثمارات الإنتاجية والبنية التحتية.
وأضاف أن جذب الاستثمار الأجنبي المباشر يتركز بصورة أساسية في مصر والسعودية والإمارات، مشددًا على أن أهمية هذه الاستثمارات لا تقتصر على توفير التمويل، وإنما تمتد إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية.
وأكد، استنادًا إلى خبرته السابقة وزيرًا للاستثمار، أن المستثمر الأجنبي أو العربي لا يتخذ قراره بناءً على النشرات الترويجية فقط، وإنما يستطلع أوضاع السوق من المستثمرين المحليين والعاملين في القطاع الصناعي، وبالتالي فإن بناء ثقة المستثمر المحلي يمثل نقطة البداية لجذب الاستثمارات الخارجية.
وشدد على ضرورة تطوير أدوات تمويل الصناعة، بما يشمل ضمانات التجارة الدولية، والتعامل الأكثر فاعلية مع المؤسسات المالية الدولية، وحشد المدخرات والموارد المحلية، وتعزيز الثقة والتعاون الاستثماري بين الدول العربية.
وتطرق محيي الدين إلى آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، معتبرًا أنها تمثل تحديًا مباشرًا للصناعات العربية المصدرة إلى الاتحاد الأوروبي، وتستدعي تحركًا جماعيًا من الحكومات والقطاع الصناعي والمؤسسات القانونية والمالية.
وأوضح أن تقييم أثر الآلية من خلال نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي قد يكون مضللًا، إذ إن التأثير الحقيقي يظهر عند قياس العبء الذي تتحمله الصادرات في صورة تكلفة جمركية مكافئة.
ووفقًا للتقديرات التي عرضها، تصل التعريفة الجمركية المكافئة على الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي إلى نحو 95% للجزائر، و59% لليبيا، و27% لمصر، و25% لتونس، داعيًا الصناعيين والمصدرين إلى التعامل مع هذه الآلية باعتبارها تحديًا مباشرًا لتنافسية المنتجات العربية في الأسواق الأوروبية.
وأكد ضرورة حشد جهود القانونيين وصناع السياسات وممثلي الصناعة للتعامل مع الآلية، إلى جانب تطوير أسواق الكربون المحلية وإنشاء شهادات كربون معتمدة، بما يسمح للشركات بالحصول على شهادات خفض الانبعاثات محليًا بدلًا من تحمل تكلفة شرائها من الأسواق الأوروبية، والتي قد تتجاوز 80 إلى 100 يورو للشهادة، وفقًا لما أشار إليه.
ولفت إلى وجود تجارب في أسواق الكربون بكل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين، مؤكدًا أهمية تطوير أطر قانونية وتنظيمية واضحة لهذه الأسواق.
وفيما يتعلق بمستقبل الصناعة العربية، دعا محيي الدين إلى توطين التنمية من خلال التوسع في الاستثمار في رأس المال البشري، خاصة التعليم والصحة والمستشفيات والجامعات ومراكز التدريب، إلى جانب تطوير البنية التحتية وشبكات الطرق والمياه والكهرباء.
وأوضح أن هذه الاستثمارات لا تحقق أهدافًا اجتماعية وتنموية فحسب، بل تخلق طلبًا محليًا مستدامًا على الحديد والصلب ومواد البناء، بما يدعم نمو الصناعة ويعزز قدرتها على التوسع.
وأشار إلى أهمية ترتيب أولويات الأسواق، بحيث يتم توجيه الإنتاج أولًا لتلبية احتياجات السوق المحلية، ثم توجيه الفوائض إلى الأسواق العربية، يلي ذلك التوسع في التصدير إلى الأسواق العالمية من خلال تنسيق الجهود والسياسات التجارية والصناعية.
وفي ختام كلمته، أكد محيي الدين أن أهمية الصناعة تجاوزت دورها التقليدي في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح عنصرًا أساسيًا في تحقيق الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية والاستدامة.
وأوضح أن مفهوم الاستدامة (Sustainability) لم يعد كافيًا وحده لوصف الدور الاستراتيجي للصناعة، في ظل التحولات الراهنة التي جعلت الأمن (Security) والسيادة (Sovereignty) من الأولويات الرئيسية للدول.
وشدد على أن تعزيز مكانة الصناعة العربية يتطلب زيادة الاستثمارات وتطوير أدوات التمويل وتوطين التكنولوجيا وتعميق التكامل الإقليمي، من خلال عمل مؤسسي منظم وشراكات مستدامة، بعيدًا عن المبادرات والشعارات التي لا تتحول إلى نتائج عملية.
---