📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
خلال الفترة الأخيرة، زاد الحديث في مصر عن مراكز البيانات ومزارع المعالجات الرسومية، وعن أهمية امتلاك بنية تحتية قادرة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي محليًا. وهو اتجاه مهم، خصوصًا مع تحول القدرة الحوسبية نفسها إلى عنصر أساسي في المنافسة الاقتصادية بين الدول.لكن وسط هذا النقاش، أعتقد أننا نركز كثيرًا على جزء واحد من الصورة.
السؤال ليس فقط: كم مركز بيانات سنبني؟ أو كم معالجًا رسوميًا سنمتلك؟
السؤال الأهم هو: ما الذي سنبنيه فوق هذه البنية؟
لأن امتلاك القدرة الحوسبية لا يعني تلقائيًا امتلاك صناعة للذكاء الاصطناعي. وإذا انتهى بنا الأمر إلى بناء مراكز بيانات ضخمة، ثم استخدام هذه المراكز فقط لتشغيل نماذج طُورت بالكامل خارج مصر وأفريقيا، فسنكون قد امتلكنا جزءًا من البنية التحتية، لكننا لم نمتلك بعد الجزء الأعلى قيمة في المنظومة.
والأهم من ذلك أن هناك قضية أكبر مرتبطة بالبيانات نفسها.
الذكاء الاصطناعي يعتمد في النهاية على البيانات. وكلما توسع استخدامه في البنوك والاتصالات والصحة والتعليم والحكومة والصناعة، أصبحت مسألة مكان هذه البيانات وكيفية معالجتها ومن يملك حق الوصول إليها أكثر حساسية.
لو أراد بنك أفريقي مثلًا استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الاحتيال أو خدمة العملاء أو تقييم مخاطر الائتمان، فمن الطبيعي أن يبحث عن أفضل نموذج وأقل تكلفة وأسرع حل.
لكن قبل كل ذلك، هناك أسئلة أخرى يجب أن تكون جزءًا من القرار.
أين ستُعالج بيانات العملاء؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وما الإطار القانوني الذي يحكمها؟ وهل يستطيع البنك نقل نظامه إلى مزود آخر إذا احتاج إلى ذلك؟ وماذا يحدث إذا تغيرت شروط مقدم الخدمة أو توقفت الخدمة نفسها لأي سبب؟
استخدام نموذج أجنبي لا يعني بالضرورة أن بيانات المؤسسة ستُستخدم في تدريبه، فذلك يعتمد على طريقة التشغيل والعقود والإعدادات المستخدمة. لكن الاعتماد الكامل على بنية خارجية يظل يخلق نوعًا من المخاطرة يجب أن يؤخذ بجدية، خصوصًا عندما نتحدث عن مؤسسات مالية أو حكومية أو قطاعات تتعامل مع بيانات حساسة.
ومن هنا أعتقد أن مفهوم أمن البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أوسع من مجرد الحماية من الاختراقات.
أمن البيانات يعني أيضًا أن تعرف أين توجد بياناتك، ومن يملك حق استخدامها، وألا تصبح خدمتك الأساسية مرتبطة بالكامل بمزود واحد لا تملك السيطرة عليه.
وهنا يظهر جانب آخر لا يقل أهمية: النماذج نفسها.
فحتى لو كانت البيانات موجودة داخل مصر، والقدرة الحوسبية موجودة داخل مصر، يظل هناك سؤال: من يملك النموذج الذي يحول هذه البيانات إلى قرار أو معرفة أو خدمة؟
لذلك لا أعتقد أن بناء مراكز البيانات وحده يكفي.
مصر تحتاج بالتوازي إلى دعم صناعة نماذج ذكاء اصطناعي محلية ومتخصصة.
ولا أقصد أن نبني نسخة مصرية من أكبر النماذج الأمريكية أو الصينية، أو أن ندخل سباقًا مكلفًا لمحاولة صناعة نموذج عام يعرف كل شيء ويقوم بكل شيء.
هذه ليست بالضرورة المعركة المناسبة لنا.
الأكثر منطقية هو أن نبني نماذج تعرف أسواقنا ومشكلاتنا بشكل أعمق.
نموذج يفهم اللغة العربية المصرية وطريقة استخدامها الحقيقية، وليس العربية الفصحى فقط. نموذج مالي يفهم المنتجات المصرفية وأنماط السداد والائتمان والتحصيل في مصر والمنطقة. ونماذج متخصصة في قطاعات مثل الصحة والزراعة والتعليم والخدمات الحكومية.
ميزة هذه النماذج لن تكون أنها أكبر أو أكثر تكلفة من النماذج العالمية.
ميزتها ستكون أنها تعرف المشكلة التي تحاول حلها.
وهذا يمكن أن يتحول إلى ميزة اقتصادية حقيقية.
لكن بناء هذه الصناعة يحتاج إلى ما هو أكثر من المهندسين والأفكار.
وهنا أعتقد أن لدينا مشكلة يجب أن نكون صريحين بشأنها. المستثمر المصري بطبيعته يقارن بين الفرص المتاحة أمامه. وعندما يجد قطاعًا مثل العقارات له نموذج عمل واضح، وأصول يمكن تقييمها، وطلب مفهوم، وفي المقابل يجد شركة تعمل على نموذج ذكاء اصطناعي تحتاج إلى إنفاق كبير على الحوسبة والبيانات والبحث والتطوير قبل أن تحقق إيرادات واضحة، فمن الطبيعي أن يتجه جزء كبير من رأس المال إلى الخيار الأقل مخاطرة.
ولذلك، إذا كنا نريد فعلًا بناء صناعة للنماذج المحلية، فلا يكفي أن نطالب المستثمرين بضخ أموالهم في التكنولوجيا.
يجب أولًا أن نجعل هذه الصناعة قابلة للاستثمار.
ليس المطلوب أن تبني الحكومة كل نموذج بنفسها، ولا أن تنافس الشركات الخاصة. المطلوب أن تخلق الظروف التي تجعل دخول رأس المال الخاص منطقيًا.
لدينا تجربة واضحة في مصر في قطاعات أخرى.
في العقارات، على سبيل المثال، استثمرت الدولة على مدار سنوات في الطرق والمحاور والمدن الجديدة والمرافق، ووفرت الأراضي وأطر الشراكة، وبنت بيئة جعلت القطاع قادرًا على جذب رؤوس أموال ضخمة، بما في ذلك رؤوس أموال جاءت أصلًا من قطاعات أخرى.
الدرس هنا ليس أن نكرر نموذج العقار حرفيًا.
الدرس هو أن رأس المال يتحرك عندما تصبح هناك بنية تحتية، وسوق واضحة، وطلب حقيقي، ومسار يمكن للمستثمر أن يفهم من خلاله كيف سيحقق العائد.
وهذا ما تحتاجه صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر.
يمكن مثلًا إتاحة جزء من القدرات الحوسبية الجديدة للشركات الناشئة والجامعات ومراكز الأبحاث بأسعار تساعدهم على التجربة والتطوير، بدلًا من أن يتحمل كل منهم تكلفة كبيرة للحصول على هذه القدرة من الخارج.
ويمكن العمل على بناء مجموعات بيانات وطنية عالية الجودة، بعد إزالة أي معلومات شخصية أو حساسة، وإتاحتها للباحثين والشركات وفق قواعد واضحة.
كما يمكن للبنوك وشركات الاتصالات والجهات الحكومية أن تلعب دور العميل الأول للحلول المحلية.
الشركة الناشئة لا تحتاج دائمًا إلى منحة أو إعفاء ضريبي بقدر ما تحتاج إلى أول عميل كبير يثق في التكنولوجيا ويمنحها فرصة للعمل على نطاق حقيقي.
إذا استطاع نموذج مصري أن يثبت كفاءته داخل بنك أو شركة اتصالات أو جهة حكومية كبيرة، فإن فرصته في جذب الاستثمار والتوسع ستكون مختلفة تمامًا.
لكن السوق المصرية وحدها ليست نهاية القصة.
القارة تتحول رقميًا بسرعة، والبنوك وشركات الاتصالات والحكومات والمؤسسات الكبيرة ستحتاج خلال السنوات المقبلة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات أكثر، وفي الوقت نفسه ستزداد حساسية ملف البيانات.
وهذه فرصة يمكن لمصر أن تتحرك فيها مبكرًا.
بدلًا من أن ننظر إلى أفريقيا فقط كسوق لبيع التطبيقات، يمكن أن ننظر إليها كسوق لبنية ذكاء اصطناعي كاملة يتم تطوير جزء منها وتشغيله من مصر.
مؤسسة مالية أفريقية قد تحتاج إلى نموذج متخصص في الخدمات المالية يعمل على بنية حوسبية داخل القارة، مع ضمانات واضحة بشأن مكان البيانات وطريقة معالجتها ومن يستطيع الوصول إليها.
شركة اتصالات قد تحتاج إلى نموذج صوتي قادر على فهم لهجات محلية لا تتعامل معها النماذج العامة بالكفاءة المطلوبة.
جهة حكومية قد تحتاج إلى نظام يمكن تشغيله داخل بيئة مغلقة دون إرسال البيانات الحساسة إلى الخارج.
هذه ليست احتياجات نظرية، وستزداد مع انتشار الذكاء الاصطناعي.
وإذا استطاعت مصر بناء القدرة على تلبية هذه الاحتياجات، فسنكون أمام فرصة لتكوين قطاع تصديري جديد لا يعتمد فقط على خدمات التعهيد بالشكل التقليدي.
يمكن تصدير القدرة الحوسبية، والنماذج المتخصصة، وخدمات تشغيلها، وحلول الأمن السيبراني، وأنظمة مكافحة الاحتيال، والتقنيات الصوتية، وخدمات معالجة واستضافة البيانات.
بمعنى آخر، يمكن أن تتحول حماية البيانات من مجرد تكلفة تنظيمية على الشركات إلى ميزة تنافسية لقطاع كامل.
وهنا تحديدًا أرى أن مصر لديها فرصة يجب ألا تضيع.
لدينا سوق محلية كبيرة يمكن استخدامها لاختبار المنتجات وتطويرها، ولدينا كوادر هندسية جيدة، وموقع يربط أفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا، وبنية اتصالات دولية قوية، وعلاقات تجارية ممتدة داخل القارة.
لكن هذه المزايا لن تتحول تلقائيًا إلى صناعة.
يجب أن يكون هناك قرار واضح بأن الهدف ليس فقط أن نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل أن نمتلك جزءًا أكبر من سلسلة القيمة المرتبطة به.
وأن تكون لدينا قدرة حوسبية يمكن الاعتماد عليها.
وأن نبني نماذج نملكها ونستطيع تطويرها وتصديرها.
وأن نجذب رأس المال الخاص لهذه الصناعة بنفس الجدية التي نجحنا بها في جذب رؤوس الأموال إلى قطاعات أخرى.
لأن أفريقيا ستنتج خلال السنوات المقبلة كمية هائلة من البيانات.
ولو انتهى بنا الأمر إلى إنتاج هذه البيانات، ثم استخدامها عبر نماذج وتكنولوجيا وقيمة مضافة تم تطويرها بالكامل خارج القارة، سنكون قد كررنا نموذجًا اقتصاديًا نعرفه جيدًا.
نصدر المادة الخام، ونستورد المنتج الأعلى قيمة.
لكن المادة الخام هذه المرة لن تكون قطنًا أو ذهبًا أو بترولًا.
والسؤال الذي يستحق أن نبدأ في الإجابة عنه من الآن ليس فقط: كيف نحمي هذه البيانات؟
بل: كيف نحولها إلى صناعة وملكية فكرية وقيمة اقتصادية تظل داخل مصر وأفريقيا؟
---