📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
تمتلك مصر، واحدة من أكثر الإدارات الضريبية نضجاً من الناحية المؤسسية على مستوى القارة، بما لديها من قدرات فنية متقدمة في إدارة ملفات كبار الممولين والضرائب غير المباشرة والتحول الرقمى للخدمات الضريبية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجى الذى يربط شمال أفريقيا بمنطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط.وفي حوارين منفصلين، تحدثت لـ”البورصة”، ماري باين، السكرتيرة التنفيذية لمنتدى إدارة الضرائب الأفريقية «ATAF»، ونغوباني ماخوبو، رئيس مفوضية الإيرادات الضريبية بجنوب أفريقيا، مؤكدين أن القارة أصبحت أكثر قدرة على المشاركة في تشكيل القواعد الضريبية الدولية بدلاً من الاكتفاء بتنفيذها.
قالت ماري باين، إن مصر لديها فرصة لتعزيز دورها القيادي داخل المنتدى خلال الفترة المقبلة، من خلال استضافة الفعاليات الفنية والتدريبية، والمشاركة بخبراء فى بعثات الدعم الفني للدول الأفريقية، والإسهام فى صياغة المواقف الأفريقية المشتركة بشأن المفاوضات الضريبية الدولية.
وأوضحت أن خبرة مصر ستكون مهمة في دعم الموقف الأفريقى تجاه أجندة تمويل التنمية لما بعد مؤتمر إشبيلية، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتعاون الضريبي الدولي، وتطبيق الحد الأدنى العالمي للضريبة، مشيرة إلى أن القارة أصبحت أكثر قدرة على المشاركة في تشكيل القواعد الضريبية الدولية بدلاً من الاكتفاء بتنفيذها.
أكدت باين، أن أكبر فرص زيادة الإيرادات الضريبية لدى معظم الدول الأعضاء بالمنتدى لا ترتبط بفرض ضرائب جديدة، وإنما بتحصيل المستحقات القائمة بالفعل وحماية الأوعية الضريبية من التسرب إلى الخارج نتيجة نقل الأرباح وتآكل القواعد الضريبية.
أضافت أن مساهمة المنتدى تتركز فى 3 مجالات رئيسية، أولها الضرائب الدولية، من خلال تقديم الدعم الفني للدول في ملفات تسعير المعاملات ومكافحة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح «BEPS»، وتطبيق الحد الأدنى العالمي للضريبة، بما يساعد على تحصيل إيرادات كانت ستنتقل إلى ولايات ضريبية أخرى.
ويتمثل المجال الثاني في تحسين الالتزام الضريبي لدى كبار الممولين، عبر استخدام تحليل البيانات وإدارة مخاطر الالتزام والفحص القائم على المخاطر، فضلاً عن تطوير آليات تسوية المنازعات.
أما المجال الثالث، فيتعلق بالاقتصاد الرقمي وغير الرسمى، إذ شارك المنتدى مع منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية والبنك الدولى فى إعداد دليل ضريبة القيمة المضافة للاقتصاد الرقمى فى أفريقيا، إلى جانب أدلة فنية بشأن الوجود الاقتصادى الفعلى وضريبة الخدمات الرقمية والمعاملة الضريبية لأصحاب الثروات الكبيرة.
وهذه الأدوات تستهدف تحصيل الإيرادات المفقودة نتيجة عدم الالتزام أو تآكل الأوعية الضريبية، وليس تحميل الممولين الملتزمين أعباء إضافية، موضحة أن المنتدى يقدم دعمه من خلال بناء القدرات والمساندة الفنية وتبادل الخبرات.
من جانبه، قال نغوباني ماخوبو، إن توسيع القاعدة الضريبية يتطلب الاستفادة من أدوات تبادل المعلومات الدولية، وتطبيق المعايير المشتركة للإبلاغ «CRS»، والتقارير المقدمة على أساس كل دولة على حدة «Country-by-Country Reporting»، بما يساعد السلطات الضريبية على تحديد الدخول والأصول غير المعلنة والأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود.
وأضاف أن تبادل المعلومات وفقاً للمعيار المشترك للإبلاغ يتيح التعرف على الحسابات والأصول المالية التى يمتلكها مواطنون خارج بلدانهم، والتحقق من مدى الإفصاح عنها بصورة صحيحة داخل الدولة التى يقيمون فيها ضريبياً.
وأوضح ماخوبو، أن تقارير كل دولة على حدة تتيح للإدارات الضريبية معرفة الأرباح والأنشطة التى تعلن عنها الشركات متعددة الجنسيات فى دولها الأم، ومقارنتها بما تسجله في الدول الأخرى التي تعمل بها، بما يساعد على اكتشاف الممارسات التي قد تؤدى إلى نقل الأرباح أو عدم الإفصاح عن الالتزامات الضريبية بصورة سليمة.
وأشار إلى أن نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي فى جنوب أفريقيا تبلغ نحو 26%، وهى نتيجة ترتبط بجهود مستمرة لتوسيع القاعدة الضريبية واكتشاف المتهربين وإعادة إدخالهم إلى المنظومة الرسمية.
وأكد ماخوبو، أن الاستفادة من بيانات الأطراف الثلاثة والارتباط بمنظومة تبادل المعلومات العالمية أصبحا ضروريين لتحديد الممولين المقيمين خارج البلاد، لكنهم يظلون مقيمين ضريبياً فيها، لافتاً إلى أن غياب الاتصال بمنظومة المعلومات الدولية يحرم الإدارات الضريبية من البيانات اللازمة للتعامل مع حالات عدم الالتزام العابرة للحدود.
وأوضح رئيس مفوضية الإيرادات بجنوب أفريقيا، أن بلاده تعتمد أيضاً على برامج الإفصاح الطوعي لتشجيع الممولين الذين لم يلتزموا بواجباتهم الضريبية على تصحيح أوضاعهم قبل اكتشاف المخالفات من جانب السلطات.
أضاف أن هذه البرامج تتيح للممول الإفصاح عن دخل لم يسبق الإعلان عنه أو تصحيح بيانات أُدرجت بصورة غير دقيقة، مقابل الاستفادة من إعفاءات من الغرامات والفوائد وفقاً للقواعد المنظمة للبرنامج، مع سداد أصل الضريبة المستحقة.
وأشار إلى أن هذه الآلية تشجع الممولين على العودة إلى المنظومة الضريبية، وتساعد الإدارة على توسيع قاعدة الملتزمين واستعادة الإيرادات دون الاعتماد حصرياً على إجراءات الفحص والعقوبات.
وفيما يتعلق بتطبيق الحد الأدنى العالمي للضريبة، قال ماخوبو، إن جنوب أفريقيا قررت التحرك مبكراً لتطبيق القواعد العالمية وإدراجها في تشريعاتها المحلية، انطلاقاً من أهمية مواكبة التطورات الدولية وعدم الابتعاد عن الاتجاه العالمى فى إصلاح النظام الضريبي.
وأضاف أن بلاده بدأت بالفعل تلقى الإقرارات المرتبطة بالحد الأدنى العالمي للضريبة عن العام الحالي، موضحاً أن التجربة لاتزال في مراحلها الأولى، وأن التطبيق العملى سيكشف عن جوانب تحتاج إلى تطوير وتحسين بمرور الوقت.
كشف ماخوبو، أن جنوب أفريقيا قدرت حصيلة أولية بنحو ملياري راند من تطبيق الحد الأدنى العالمي للضريبة خلال السنة المالية الحالية، مشيراً إلى أن السنة المالية للبلاد تنتهي في مارس، وأن التقدير النهائي للإيرادات سيتحدد مع انتهاء العام وظهور نتائج التطبيق الفعلية.
وأكد أن هذه التقديرات تظل قابلة للمراجعة في ضوء نتائج التحصيل، لافتاً إلى أن تطبيق القواعد الجديدة لا يعني أنها وصلت إلى صورتها المثالية، وإنما يتطلب استمرار التعلم وتطوير آليات التنفيذ بالتوازى مع تطور التجربة الدولية.
وفيما يتعلق بتحسين مؤشرات الكفاءة الضريبية في مصر، قالت ماري باين، إن برامج المنتدى القطرية تستند إلى احتياجات الدول الأعضاء وأولوياتها، مع تحديد مؤشرات قياس التقدم بالتعاون معها، بما يضمن ارتباط الدعم الفني بالتحديات الفعلية لكل إدارة ضريبية.
وأوضحت أن تقرير «التوقعات الضريبية الأفريقية» يوفر مقارنة بين الدول بشأن أداء الإيرادات ونسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالى والكفاءة الإدارية وإدارة الالتزام، بما يساعد على تحديد المجالات التي يمكن أن تحقق أكبر تحسن فى الأداء.
وأضافت أن أبرز مجالات التطوير تشمل خفض تكلفة التحصيل من خلال الفحص القائم على المخاطر والخدمات الرقمية، وتقليص الفجوة الضريبية عبر تحسين الاستفادة من البيانات، فضلاً عن تقصير دورات تسوية المنازعات ورد الضريبة.
وأشارت إلى أن المنتدى يوفر أدوات التشخيص الفني والخبرات وبرامج التدريب من خلال أكاديمية الضرائب الأفريقية، مؤكدة أن مسئولية الإصلاح تظل ملكاً للدولة العضو، بينما يتمثل دور المنتدى فى توفير الأدوات والموارد ومساندة الدولة خلال مراحل التطوير.
قالت باين، إن المنتدى يعمل بالفعل مع مصر في عدد من المجالات، بالتوازي مع استمرار المناقشات بشأن مجالات إضافية للتعاون والشراكة، مشيرة إلى أن حزمة الأدوات المتاحة تشمل المساعدة الفنية وبرامج بناء القدرات ومنصات التعاون البحثي والفني.
أضافت أن مذكرة التفاهم الخاصة باستضافة تدريبات المنتدى في مصر تمثل إحدى النتائج العملية للتعاون القائم، إذ تتيح حضور خبراء من مختلف الدول الأفريقية إلى مصر، وتمنح المسئولين المصريين فرصاً أكبر لتبادل الخبرات والتعلم مع نظرائهم في القارة.
وأكدت التزام المنتدى بمساندة مصر في دورها القيادي بالمفاوضات الجارية داخل الأمم المتحدة بشأن التعاون الضريبي الدولي.
أشارت باين، إلى أن أفريقيا أصبحت مركزاً للابتكار فى رقمنة الإدارة الضريبية، مستشهدة بتجارب كينيا وأوغندا ورواندا ونيجيريا وزامبيا وجنوب أفريقيا في تطوير أنظمة الفواتير الإلكترونية ومنصات الإيرادات الرقمية والتحليلات.
وأضافت أن تجربة مصر في الفاتورة والإيصال الإلكترونيين تمثل جزءاً مهماً من مسار التحول الرقمى الأفريقى، مؤكدة أن المنتدى يسهل تبادل الخبرات من خلال الزيارات الفنية والبعثات المتخصصة والبرامج التدريبية.
وفي ملف مكافحة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح، أوضحت أن المنتدى يقدم مساعدة فنية مباشرة للدول في فحص معاملات تسعير المعاملات، بما فى ذلك الفحص المشترك والمنسق، إلى جانب توفير مراجع فنية تساعد الإدارات الضريبية على تطوير تشريعاتها وممارساتها.
وأضافت أن المنتدى يدعم الدول الأفريقية في تطبيق قواعد الحد الأدنى العالمي للضريبة، بما يشمل تصميم ضريبة الحد الأدنى التكميلية المحلية المؤهلة، التي تتيح للدول تحصيل الإيرادات المرتبطة بالضريبة التكميلية بدلاً من انتقالها إلى ولايات ضريبية أخرى، مع التأكيد أن اختيار مصر للتصميم التشريعى والتنفيذى يظل قراراً سيادياً للسلطات المصرية.
وأكدت باين، أن تطوير تبادل المعلومات بين الدول الأفريقية يمثل متطلباً أساسياً لمواكبة تعقيدات الاقتصاد العالمى، مشيرة إلى أن المنتدى يعمل بالتعاون مع المنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات للأغراض الضريبية على مساعدة الدول في الاستفادة من الأطر الدولية القائمة، ومنها الاتفاقية متعددة الأطراف للمساعدة الإدارية المتبادلة والمعيار المشترك للإبلاغ.
وأضافت أن الاتفاقية الأفريقية متعددة الأطراف للمساعدة المتبادلة في المسائل الضريبية «AMATM» تمثل مساراً مكملاً لهذه الأطر، إذ تستهدف توفير منصة قارية لتبادل المعلومات تعكس الأولويات الأفريقية وتدعم التعاون المباشر بين الإدارات الضريبية.
قالت باين، إن مصر تمتلك مقومات التحول إلى مركز إقليمي لتبادل الخبرات الضريبية داخل القارة، وفي مقدمتها النضج المؤسسى لمصلحة الضرائب والقدرات الفنية والبنية التحتية التدريبية والموقع الجغرافي.
وأضافت أن تحويل مصر رسمياً إلى مركز لاستضافة أنشطة محددة للمنتدى يتطلب مناقشات بين السلطات المصرية وأعضاء «ATAF»، مؤكدة ترحيب المنتدى بأى توجه مصرى للاستثمار في هذا الدور.
وشددت على أن توحيد السياسات الضريبية للدول الأفريقية ليس هدفاً للمنتدى، إذ تظل السياسة الضريبية شأناً سيادياً لكل دولة، بينما يستهدف التعاون تحقيق التقارب في المعايير الفنية والمواقف الدولية والأدوات التي تقلل الاحتكاكات بين الأنظمة الضريبية.
واختتمت باين، بالتأكيد على أن التعاون الضريبي لا يتعارض مع جذب الاستثمارات، بل يمثل أحد شروط استدامتها، موضحة أن المستثمرين يبحثون عن القدرة على التنبؤ بالقواعد والعدالة والكفاءة.
وأضافت أن مكافحة تحويل الأرباح تضمن عدم تعرض المستثمرين الملتزمين لمنافسة غير عادلة، بينما يسهم تسريع تسوية المنازعات والحد من الازدواج الضريبي في خفض تكلفة ممارسة الأعمال.
وتابعت: “أفريقيا تشهد تحولاً من كونها متلقياً للقواعد الضريبية الدولية إلى المشاركة في صياغتها، وأن مصر مؤهلة للمساهمة في هذا التحول، بما تمتلكه من خبرات مؤسسية وعلاقات دولية واسعة”، مشيرة إلى أن الهدف هو بناء نظام ضريبي واضح وقابل للتنبؤ يضمن فرض الضريبة فى المكان الذى تتحقق فيه القيمة الاقتصادية، ويدعم تعبئة الموارد المحلية والاستثمار المستدام.
---