📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
تباطؤ التضخم لا يحسم قرار المركزي وسط ضغوط الدولار والطاقةاتفقت توقعات 13 محللًا اقتصاديًا في استطلاع لوكالة رويترز، أُجري بين 22 و27 أكتوبر 2026، على اتجاه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب الخميس 29 أكتوبر، للمرة السادسة على التوالي حال صدور القرار. ويأتي هذا الإجماع رغم تراجع التضخم السنوي إلى 13.9% في سبتمبر، مقابل 14.5% خلال أغسطس، نتيجة استمرار المخاطر المرتبطة بارتفاع الدولار وتكاليف الطاقة والتوترات الإقليمية. وفي حين يرجح بعض الخبراء إمكانية استئناف خفض الفائدة خلال ديسمبر المقبل، تشير تقديرات مؤسسات مالية أخرى إلى احتمال تأجيل الخطوة حتى عام 2027، انتظارًا لتحسن التضخم واستقرار سوق الصرف.
أظهر استطلاع رويترز توقع جميع المحللين الثلاثة عشر المشاركين إبقاء سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، والإقراض عند 20%، دون تغيير خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر الخميس.
وتستقر أسعار العائد الأساسية عند هذه المستويات منذ قرار خفض الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير 2026، بعدما انتهت اجتماعات أبريل ومايو ويوليو وأغسطس وسبتمبر إلى التثبيت.
وبذلك، فإن استمرار الأسعار الحالية خلال اجتماع أكتوبر سيعني تسجيل سادس تثبيت متتالٍ، بعد خفض إجمالي بلغ 825 نقطة أساس خلال دورة التيسير النقدي التي بدأت في أبريل 2025.
وتكشف المقارنة مع استطلاع سابق أجرته رويترز قبل اجتماع سبتمبر اختلافًا في توزيع التوقعات، إذ رجح 11 محللًا من أصل 12 التثبيت آنذاك، مقابل محلل واحد توقع رفع الفائدة، بينما اتفق المشاركون الثلاثة عشر في استطلاع أكتوبر على الإبقاء دون تغيير.
ولا تعني هذه المقارنة أن المحللين أنفسهم عدلوا توقعاتهم، لعدم ثبوت تطابق المشاركين في الاستطلاعين، لكنها توضح اختلاف نطاق الإجماع بين العينتين.
ويأتي ترجيح التثبيت في ظل استمرار أسعار الفائدة الأساسية عند مستويات أعلى من التضخم السنوي المسجل، بما يمنح السياسة النقدية هامشًا لمواجهة الضغوط السعرية دون الحاجة إلى خفض سريع قد يعيد تنشيط الطلب قبل استقرار الأسعار.
تظهر بيانات البنك المركزي المصري أن انخفاض التضخم السنوي لا يقدم الصورة الكاملة لتحركات الأسعار، خصوصًا مع تسارع الزيادة الشهرية خلال سبتمبر.
فقد انخفض التضخم العام السنوي في المدن من 14.5% خلال أغسطس إلى 13.9% في سبتمبر، بتراجع قدره 0.6 نقطة مئوية، بينما هبط التضخم الأساسي السنوي من 14.9% إلى 14.1%.
في المقابل، ارتفع التضخم العام الشهري إلى 1.3% خلال سبتمبر، مقارنة بنحو 0.1% في أغسطس، كما صعد التضخم الأساسي الشهري إلى 0.8% بدلًا من 0.3% خلال الفترة نفسها.
ويعكس هذا التباين استمرار ارتفاع الأسعار خلال سبتمبر بوتيرة شهرية أكبر من الشهر السابق، رغم انخفاض معدل الزيادة السنوية، وهو فارق مؤثر عند تقييم مدى استدامة تراجع التضخم.
كما أن سعر الإيداع الأساسي البالغ 19% يتجاوز التضخم السنوي العام المسجل في سبتمبر بنحو 5.1 نقطة مئوية، وهو فارق حسابي لا يمثل عائدًا حقيقيًا مضمونًا للمودعين، لأنه يعتمد على التضخم السابق وليس المتوقع خلال فترة الاستثمار.
وكان البنك المركزي قد أوضح في بيانه الصادر عقب اجتماع 24 سبتمبر أن المستوى الحالي من التشديد النقدي يمثل وسيلة للحماية من المخاطر المحيطة بالتضخم، مع استمرار توقع اقترابه تدريجيًا من المستوى المستهدف البالغ 7% بهامش نقطتين مئويتين خلال النصف الثاني من 2027.
لكن اللجنة أكدت استمرار المخاطر الصعودية المرتبطة بالتوترات الإقليمية وأسعار الطاقة والغذاء، وهو ما يفسر أهمية بيانات الأشهر المقبلة في تحديد توقيت استئناف خفض الفائدة.
الدولار وأسعار الطاقة يضغطان على توقعات المركزي
تغيرت بعض المؤشرات الاقتصادية منذ اجتماع البنك المركزي الأخير، وعلى رأسها ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه خلال أكتوبر، بعدما تجاوز مستوى 56 جنيهًا في البنوك، مقارنة بمستويات تقل عن 52 جنيهًا قرب اجتماع سبتمبر.
ورغم تراجع الدولار بنحو 15 قرشًا في عدد من البنوك خلال تعاملات الثلاثاء 27 أكتوبر، فإن هذا الانخفاض اليومي لم يلغ التحرك الأكبر في سعر الصرف خلال الأسابيع السابقة.
وقد يؤدي استمرار ضعف الجنيه إلى زيادة تكلفة الواردات ومستلزمات الإنتاج المقومة بالدولار، مع احتمال انتقال جزء من هذه التكلفة إلى الأسعار المحلية خلال الفترات التالية.
وفي الوقت نفسه، أبقت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية أسعار البنزين والسولار دون تغيير في قرارها الصادر يوم 15 أكتوبر، ما يحد من بعض الضغوط المباشرة على تكاليف النقل والاستهلاك.
لكن تثبيت أسعار الوقود محليًا لا يلغي تأثير ارتفاع النفط عالميًا في فاتورة الاستيراد وتكاليف الإنتاج والشحن، خصوصًا مع استمرار التوترات الإقليمية المؤثرة في إمدادات الطاقة.
وكان جميل نعيم، المحلل لدى ستاندرد آند بورز جلوبال ماركت إنتليجنس، قد أشار في استطلاع رويترز إلى استمرار الضغوط المحتملة على أسعار المستهلكين نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والتطورات الإقليمية.
وتتزامن هذه الضغوط مع مخاوف مرتبطة بتدفقات الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية، إذ قد تؤثر تحركات الدولار وأسعار الفائدة العالمية في العوائد التي يحصل عليها المستثمرون الأجانب بعد تحويل أموالهم إلى العملات الأجنبية.
يظهر الاختلاف الأبرز بين توقعات المؤسسات المالية في موعد استئناف خفض الفائدة، وليس فقط في نتيجة اجتماع أكتوبر.
فبحسب استطلاع رويترز، توقع جميل نعيم إمكانية عودة البنك المركزي إلى خفض الفائدة خلال الاجتماع الأخير لعام 2026، المقرر يوم 17 ديسمبر، بشرط تحسن توقعات التضخم وانحسار الضغوط الخارجية على الأسعار.
وفي المقابل، رجح دويتشه بنك استئناف التخفيض التدريجي خلال النصف الأول من 2027، مع الإشارة إلى أن تراجع الجنيه وارتفاع المخاطر الإقليمية قد يدفعان إلى تأجيل هذه الخطوة.
وذهبت الخبيرة الاقتصادية آيتن المرجوشي إلى تقدير أكثر تحفظًا، إذ اعتبرت أن النصف الثاني من 2027 قد يمثل توقيتًا أكثر واقعية للعودة إلى التيسير النقدي، إذا هدأت التوترات وتحسن استقرار سوق الصرف.
وتدعم التوقعات الأكثر حذرًا مراجعة بعض المؤسسات تقديراتها للتضخم خلال العام المقبل، إذ رفع دويتشه بنك توقعه للتضخم بنهاية 2027 إلى 12% بدلًا من 10.9% في تقديراته السابقة.
كما رفعت إتش سي للأوراق المالية والاستثمار توقعها لمتوسط التضخم خلال 2027 إلى 11.5% مقابل 10.9% سابقًا، رغم تخفيض تقديرها لمتوسط التضخم في الربع الأخير من 2026 بعد قرار تثبيت أسعار الوقود.
وتوضح هذه المراجعات أن بعض المؤسسات تتوقع استمرار آثار الضغوط الحالية لفترة أطول، ما قد يحد من قدرة البنك المركزي على خفض الفائدة دون تعريض مسار التضخم لمخاطر جديدة.
ويضاف إلى ذلك قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر الأربعاء 28 أكتوبر، قبل اجتماع البنك المركزي المصري بيوم واحد، مع استمرار توقعات الأسواق بإمكانية رفع الفائدة الأمريكية خلال ديسمبر.
وقد يؤدي استمرار تشديد السياسة النقدية الأمريكية إلى زيادة جاذبية الأصول الدولارية، بما يفرض ضغوطًا إضافية على تدفقات الأموال إلى الأسواق الناشئة، ومنها مصر.
إذا قرر البنك المركزي تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع الخميس، فستظل الأسعار الأساسية عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.50% للعملية الرئيسية، دون تعديل جديد في أدوات السياسة النقدية.
لكن تثبيت هذه المعدلات لا يعني استمرار جميع عوائد الشهادات والودائع والقروض دون تغيير، إذ تختلف آليات تسعير المنتجات المصرفية وفق شروطها وطبيعة العائد المتفق عليه.
فالشهادات القائمة ذات العائد الثابت تستمر وفق شروط إصدارها، بينما تتأثر المنتجات ذات العائد المتغير بالقواعد التعاقدية ومواعيد إعادة التسعير المعتمدة لدى كل بنك.
أما استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، فقد يزيد تكلفة الاقتراض بالنسبة للمشروعات التي تعتمد على التمويل المصرفي، في مقابل استمرار مستويات العائد القائمة على بعض أدوات الادخار والاستثمار.
وتبقى النتيجة الأساسية لاجتماع أكتوبر مرتبطة بتقييم لجنة السياسة النقدية للتضخم المتوقع، وتحركات الجنيه، وتكاليف الطاقة، والتدفقات الأجنبية، وليس بانخفاض التضخم السنوي وحده.
ومع ترقب قرار الخميس 29 أكتوبر، يظل موعد 17 ديسمبر آخر فرصة مجدولة لتغيير الفائدة خلال 2026، بينما يمثل عام 2027 سيناريو محتملًا لاستئناف التخفيضات وفق تقديرات بعض المؤسسات، دون صدور التزام رسمي من البنك المركزي بتوقيت محدد.
---