📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
عاد الدولار الأمريكي إلى صدارة المشهد الاقتصادي في مصر، بعدما تجاوز مستوى 56 جنيهاً خلال تعاملات أكتوبر/تشرين الأول 2026، مسجلًا مستويات تاريخية جديدة، في موجة صعود أعادت المخاوف بشأن مستقبل الجنيه والانعكاسات على الأسعار والأسواق.لكن المفارقة أن هذه الارتفاعات تتزامن مع توقعات بإمكانية تراجع الدولار إلى مستويات تتراوح بين 46 و50 جنيهًا خلال عام 2027، ما يطرح سؤالًا محوريًا: هل يقترب الجنيه المصري من مرحلة التعافي، أم أن الضغوط الحالية قد تستمر لفترة أطول؟
وتكشف تقديرات خبراء الاقتصاد وبعض المصرفيون عن تباين واضح في الرؤى؛ فبينما يرجح بعضهم تحسن الجنيه تدريجيًا مع انحسار التوترات الإقليمية وعودة التدفقات الأجنبية، يحذر آخرون من استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع فاتورة الواردات وخروج الاستثمارات قصيرة الأجل.
استقر سعر الدولار أمام الجنيه المصري خلال التعاملات الصباحية الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عند 56.22 جنيه للشراء و56.32 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي.
وسجل السعر المرجعي لدى البنك المركزي المصري نحو 56.21 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع، بعدما شهدت العملة الأمريكية ارتفاعات متتالية خلال الأسابيع الأخيرة.
وتزامنت هذه التحركات مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وتحول جانب من استثمارات المحافظ الأجنبية بعيدًا عن أدوات الدين المصرية.
ورغم ارتفاع صافي احتياطيات النقد الأجنبي إلى نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر/أيلول 2026، فإن قوة الاحتياطي لا تعني بالضرورة استقرار سعر الصرف، خصوصًا مع استمرار الطلب على الدولار لتغطية الواردات والالتزامات الخارجية.
يرى الخبير المصرفي محمد بدرة أن عودة الدولار إلى مستوى 46 جنيهًا تظل احتمالًا قائمًا خلال عام 2027، لكنها ترتبط بتحسن الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية وعودة الاستثمارات الأجنبية إلى السوق المصرية.
ورجح بدرة في تصريحات مع "العين الإخبارية" استقرار الدولار قرب مستوى 55 جنيهًا لفترة، قبل أن تسمح الظروف الاقتصادية بتحركه نحو مستويات أقل، مستندًا إلى فرص عودة التدفقات الأجنبية إلى أدوات الدين والبورصة المصرية.
ويشير إلى أن استمرار جاذبية عوائد أذون وسندات الخزانة، إلى جانب الطروحات الحكومية الجديدة، قد يشجع المستثمرين على ضخ سيولة دولارية إضافية داخل الاقتصاد المصري.
وتتوافق إمكانية العودة إلى مستوى 46 جنيهًا مع سيناريو متفائل سبق أن طرحه بنك الاستثمار العالمي مورجان ستانلي في أغسطس/آب 2026، حين قدر إمكانية تحرك الدولار بين 46 و48 جنيهًا خلال العام المالي 2026-2027، بشرط تراجع أسعار النفط وانحسار التوترات الإقليمية وتحسن تدفقات النقد الأجنبي.
غير أن صعود الدولار لاحقًا فوق 56 جنيهًا يجعل تحقق هذا السيناريو مرهونًا بتحسن ملموس في الظروف التي بُنيت عليها تلك التقديرات.
في المقابل، يرجح الخبير الاقتصادي محمد أنيس تحرك الدولار في نطاق يتراوح بين 54 و56 جنيهًا إذا استمرت الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الحالية دون تغيرات جوهرية.
ويربط أنيس هذه التقديرات بأربعة عوامل رئيسية، تشمل أسعار النفط العالمية، واتجاه الفائدة في مصر، والسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ومستوى التصعيد العسكري في المنطقة.
ويوضح أن استمرار أسعار النفط بين 100 و120 دولارًا للبرميل، مع استقرار أسعار الفائدة المحلية، وعدم حدوث تصعيد عسكري أوسع، يمثل الإطار الأساسي لهذا النطاق المتوقع.
أما ارتفاع النفط فوق 120 دولارًا، بالتزامن مع تشديد السياسة النقدية الأمريكية واتساع المواجهات الإقليمية، فقد يفرض ضغوطًا إضافية على الجنيه.
وفي الاتجاه المقابل، يرى أنيس أن انخفاض أسعار النفط دون 100 دولار، وتهدئة التوترات الإقليمية، واستقرار الفائدة الأمريكية، قد يسمح بتراجع الدولار إلى أقل من 54 جنيهًا.
لكنه يستبعد، وفق الظروف التي تستند إليها تقديراته، عودة الدولار إلى مستويات تقل عن 50 جنيهًا في المدى القريب.
يرى الخبير المصرفي أحمد شوقي أن تحديد مستوى دقيق لسعر الدولار خلال الفترة المقبلة يمثل تحديًا كبيرًا، بسبب تداخل عوامل العرض والطلب مع التحركات السريعة لرؤوس الأموال الأجنبية.
ويشير شوقي في تصريحات مع "العين الإخبارية" إلى أن خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية يزيد الطلب على الدولار، نتيجة تحويل المستثمرين حصيلة بيع استثماراتهم من الجنيه إلى العملة الأمريكية.
وتعكس البيانات الأخيرة حجم هذه الضغوط، إذ سجلت تعاملات المستثمرين العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي بيع بنحو 663 مليون دولار خلال الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول، بعد تسجيل صافي مبيعات يقارب 1.9 مليار دولار خلال الأسبوع السابق.
وتكشف هذه الأرقام حساسية سوق الصرف لتحركات الأموال الساخنة، التي قد تدخل الأسواق للاستفادة من العوائد المرتفعة، لكنها تستطيع المغادرة سريعًا عند ارتفاع المخاطر أو ظهور فرص استثمارية أكثر جاذبية في الخارج.
ويؤكد شوقي أن مستقبل الجنيه لن يتوقف على حركة هذه الاستثمارات وحدها، وإنما يرتبط كذلك بالفجوة بين الصادرات والواردات وحجم التدفقات الدولارية المستدامة.
من جانبه، يقدم الخبير الاقتصادي هاني جنينة قراءة مختلفة للارتفاعات الأخيرة، معتبرًا أنها لا تعكس بالضرورة خللًا في إدارة سوق الصرف، وإنما ترتبط بطبيعة الضغوط الخارجية وتطبيق سياسة سعر صرف مرن.
وأوضح جنينة، خلال تصريحات تليفزيونية أن زيادة الواردات المصرية بنحو 10 إلى 15 مليار دولار مقارنة بالعام السابق، وفق تقديراته، تمثل أحد مصادر الضغط على الطلب على النقد الأجنبي.
ويرى أن البنك المركزي المصري يتعامل مع التطورات الحالية من خلال الحفاظ على الانضباط النقدي، بدلًا من التوسع في ضخ السيولة بصورة قد تؤدي إلى تفاقم التضخم وإضعاف العملة المحلية.
ويحذر جنينة من أن محاولة مواجهة الضغوط الاقتصادية بضخ سيولة دون مراعاة آثارها التضخمية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مؤكدًا أهمية استقرار التوقعات والحفاظ على مصداقية السياسة النقدية.
وتعكس هذه الرؤية أن ارتفاع الدولار لا يمثل وحده معيار نجاح سياسة سعر الصرف أو إخفاقها، إذ يرتبط التقييم أيضًا بقدرة السوق على توفير النقد الأجنبي واستيعاب الصدمات الخارجية.
على الجانب الآخر، يرى رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس أن تحركات الدولار تعكس تطبيق سياسة أكثر مرونة لسعر الصرف، تسمح بتحديد قيمة العملة وفق العرض والطلب.
ويعتبر ساويرس أن هذه المرونة أسهمت في تقليص ظاهرة السوق الموازية للعملة الأجنبية، بعدما أصبح السعر الرسمي أكثر استجابة للتغيرات الاقتصادية.
ويشير إلى أن ارتفاع الدولار قد يمنح بعض القطاعات الاقتصادية مزايا تنافسية، خاصة السياحة والصادرات، نتيجة زيادة العائد بالجنيه من الإيرادات المحققة بالعملات الأجنبية.
لكن هذه المكاسب تبقى مرتبطة بقدرة الشركات على الاستفادة من انخفاض التكلفة النسبية للإنتاج والخدمات، دون أن تلتهم زيادة أسعار المواد الخام ومدخلات الإنتاج المستوردة جانبًا كبيرًا منها.
تضيف بيانات صندوق النقد الدولي بُعدًا آخر إلى توقعات سعر الصرف، إذ تشير تقديرات مستخلصة من قاعدة بيانات تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى متوسط يقارب 52.14 جنيه للدولار خلال العام المالي 2026-2027.
وتصل هذه التقديرات إلى نحو 55.96 جنيه خلال العام المالي 2027-2028، ثم 57.02 جنيه في 2028-2029، وصولًا إلى نحو 58.51 جنيه خلال 2030-2031.
ومن المهم التمييز بين هذه المتوسطات السنوية المستخلصة من البيانات الاقتصادية وبين التوقعات المباشرة لسعر الدولار في البنوك؛ فهي ليست أسعارًا مستهدفة أو تعهدات بمستويات محددة للعملة المصرية.
وتوضح هذه التقديرات أن مستقبل سعر الصرف يظل مرتبطًا بالمتغيرات الاقتصادية الكلية، وليس بالتحركات اليومية للعملة الأمريكية وحدها.
---