📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
بين توقعات دولية بمواصلة النمو الاقتصادي وضغوط تدفع الدولار إلى مستويات قياسية أمام الجنيه، يقف الاقتصاد المصري أمام معادلة معقدة تجمع بين تحسن مؤشرات التعافي واستمرار تحديات التضخم والديون والتدفقات الأجنبية.يرسم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالات التصنيف الائتماني صورة مزدوجة للاقتصاد المصري، تعكس تحسن النشاط الإنتاجي وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، مقابل ضغوط متزايدة على العملة المحلية وتكاليف التمويل، ما يثير تساؤلات حول قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام ينعكس على مستويات معيشة المواطنين.
وتكمن المفارقة في أن تسارع النمو لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمة الجنيه؛ إذ تتحدد حركة العملة وفق العرض والطلب على النقد الأجنبي، بينما يقيس النمو توسع الإنتاج والخدمات والاستثمار.
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2026-2027 إلى 4.7%، مقابل 4.4% في تقديراته السابقة، بعد تسجيل نمو بلغ 5.1% خلال العام المالي المنتهي في يونيو/ حزيران 2026.
أما البنك الدولي، فيتوقع تباطؤ النمو إلى 4.3% خلال العام المالي الجاري، قبل ارتفاعه إلى 5% في 2027-2028، مع استمرار تأثير التضخم وارتفاع تكاليف التمويل.
وفي قراءة أكثر تفاؤلًا على المدى المتوسط، توقع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية نمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.6% خلال العام الميلادي 2026، ترتفع إلى 5% في 2027، مدعومًا بنشاط التجارة والاتصالات والصناعات التحويلية.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد شوقي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن تحسن تقديرات البنك الدولي يعكس زيادة الثقة في قدرة الاقتصاد على التعافي.
وأوضح أن جزءًا من النمو المرتفع خلال العام المالي الماضي ارتبط باستعادة قطاعات إنتاجية وخدمية نشاطها بعد فترات من التباطؤ، ما يجعل الحفاظ على الوتيرة نفسها أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة.
رغم تحسن توقعات النمو، واصل الجنيه المصري تعرضه للضغوط، ليتجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا خلال أكتوبر/ تشرين الأول، قبل أن ينهي تعاملات الخميس 29 أكتوبر عند نحو 55.98 جنيه للشراء و56.12 جنيه للبيع، وفق بيانات البنك المركزي.
ويفسر هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، الضغوط الحالية بصدمتين رئيسيتين؛ الأولى ارتفاع فاتورة واردات الطاقة بسبب التوترات الإقليمية، والثانية اتجاه بعض المستثمرين الأجانب إلى تقليص استثماراتهم مؤقتًا.
وقدّر جنينة، في تصريحات لـ “العين الإخبارية” أن تزيد فاتورة استيراد الطاقة بنحو 10 إلى 15 مليار دولار خلال العام الحالي، مشيرًا إلى أن عودة الاستثمارات الأجنبية ترتبط بمرونة سعر الصرف والثقة في السياسة النقدية، وليس بارتفاع الفائدة وحده.
كما طرح سيناريو لتراجع الدولار إلى نطاق 48 و49 جنيهًا حال انتهاء الحرب وتحسن الظروف الاقتصادية، مؤكدًا صعوبة تحديد توقيت لهذا التحرك.
تعززت قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات مع ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.348 مليار دولار بنهاية سبتمبر/ أيلول 2026، إلى جانب زيادة تحويلات المصريين بالخارج إلى 47.3 مليار دولار خلال العام المالي الماضي.
ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى أبوزيد، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن تنوع موارد النقد الأجنبي بين السياحة والتحويلات والصادرات والاستثمارات يمثل عنصرًا رئيسيًا في تعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وأوضح أن استمرار النمو يعكس قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، لكنه يتطلب الحفاظ على تدفقات دولارية مستدامة لتغطية الواردات والالتزامات الخارجية.
وفي المقابل، تظل استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية مصدرًا للتقلبات، نظرًا لإمكانية خروجها سريعًا عند ارتفاع المخاطر العالمية، على عكس الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يرتبط بمشروعات طويلة الأجل.
تزامنت الضغوط على العملة مع قرار البنك المركزي المصري يوم 29 أكتوبر/ تشرين الأول رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، رغم تباطؤ التضخم السنوي إلى 13.9% في سبتمبر/ أيلول.
وترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر سابقًا، أن ارتفاع الدولار وأسعار الطاقة والسلع الأساسية والتوترات الإقليمية ساهم في دفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية.
وأوضحت لـ “ العين الإخبارية” عقب القرار، أن رفع الفائدة قد يعزز جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب، لكنه يأتي في ظل ضغوط تضخمية تتطلب إجراءات لاحتوائها.
وفي السياق نفسه، يفسر الخبير الاقتصادي عز الدين حسانين استمرار ارتفاع الأسعار رغم تحسن بعض المؤشرات بما يعرف بالتسعير التحوطي، إذ يحدد بعض المستوردين والتجار أسعار المنتجات وفق توقعاتهم المستقبلية للدولار وتكاليف التشغيل.
وأشار، لـ"العين الإخبارية"، إلى أن تراجع التضخم لا يعني انخفاض الأسعار تلقائيًا، وإنما تباطؤ وتيرة ارتفاعها.
عززت وكالة موديز النظرة الإيجابية للاقتصاد المصري بعدما رفعت التصنيف السيادي إلى B3 من Caa1 خلال أكتوبر/ تشرين الأول، مدعومة بتحسن المالية العامة ومرونة سعر الصرف.
لكن استمرار التصنيف دون الدرجة الاستثمارية يعكس بقاء تحديات الديون وتكاليف خدمتها والاحتياجات التمويلية، رغم تحسن قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
وتشير هذه التقييمات إلى أن الاختبار الحقيقي للاقتصاد المصري خلال 2027 لن يقتصر على تحقيق نمو مرتفع، بل سيمتد إلى قدرته على زيادة الإنتاج والصادرات، وخفض الاعتماد على التدفقات المالية قصيرة الأجل، واحتواء التضخم.
---