📌 وقائع وتفاصيل التقرير والبيان الرسمي
ما الشكل الذي يمكن أن يتخذه “مفتاح إيقاف” تكنولوجى؟فقد أعادت التقارير عن فرض قيود على سرعة الاستخدام العسكرى لشبكة “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك، والتي أصبحت ضرورية لمساعدة القوات الأوكرانية على التصدي للهجمات الجوية الروسية، تذكير حلفاء الولايات المتحدة بمدى اعتمادهم على تكنولوجيا حيوية لا يملكون السيطرة عليها فى نهاية المطاف.
وليس استخدام الوصول إلى التكنولوجيا الحيوية كورقة ضغط في الصراعات أمراً جديداً، لكن ما حدث يمثل لحظة كاشفة يصعب تجاهلها، بعدما اتضح أن شبكة اتصالات خاصة باتت تؤدي دوراً يتجاوز بكثير توفير خدمة الإنترنت، لتصبح جزءاً من البنية الأساسية التي تعتمد عليها دولة في حربها.
وتضع هذه التطورات المنافسين أمام فرصة لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل، فالشركات الأوروبية العاملة فى مجال الأقمار الصناعية، التي عانت طويلاً من التفوق الكبير لـ”سبيس إكس”، بات لديها ما هو أكثر من حجة تجارية لإقناع الحكومات والعملاء بخدماتها: الحاجة إلى تقليل الاعتماد على شبكة واحدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالاتصالات العسكرية والأمنية.
وتملك أوروبا الموارد والدوافع اللازمة لدعم شبكات بديلة، لكن تحويل هذه الرغبة إلى منافسة حقيقية يتطلب تجاوز سنوات من التراجع أمام الشركات الأمريكية، وإعادة بناء قدرات صناعية وتقنية فقدت القارة جزءاً كبيراً منها.
وتبرز شركتا “يوتلسات” و”إس إي إس” في مقدمة الشركات التي يمكن أن تستفيد من هذا التحول، فالأولى تمتلك شبكة “ون ويب” للأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، بينما تعمل الثانية في خدمات الاتصالات الفضائية، لكنهما تواجهان منافساً يتمتع بميزة يصعب مجاراتها، تتمثل في التكامل بين إطلاق الصواريخ وتشغيل الأقمار وتقديم خدمات الاتصال مباشرة للعملاء.
وتوضح هذه الفجوة حجم التحدي أمام أوروبا؛ فنجاح “سبيس إكس” لا يرجع فقط إلى امتلاكها شبكة كبيرة من الأقمار الصناعية، بل إلى نموذج أعمال متكامل يربط بين قدرات الإطلاق منخفضة التكلفة والخدمات التجارية، بما يمنحها أفضلية في التوسع والانتشار يصعب على الشركات التقليدية تكرارها.
وتحتاج الشركات الأوروبية إلى توسيع نطاق التعاون فيما بينها، بدلاً من الاعتماد على مشروعات منفصلة أو حلول وطنية متفرقة. ومن بين الخيارات المطروحة الاستفادة من شبكة “ون ويب”، إلى جانب تطوير شراكات مع شركات أخرى، بينها “تليسات” الكندية و”أمازون”، بما يتيح بناء منظومة متعددة المصادر تقلل الاعتماد على “ستارلينك”.
لكن الرهان الأوروبي الأبرز يتمثل في مشروع “آيريس 2″، الذي يستهدف إنشاء منظومة اتصالات فضائية آمنة تخدم الحكومات والمؤسسات الأوروبية. وتقدر تكلفة المشروع بنحو 15.6 مليار يورو، غير أن دخوله مرحلة التشغيل لن يكون سريعاً، إذ لا يُنتظر أن يصبح جاهزاً لتقديم خدماته قبل عام 2030.
ويعني ذلك أن أوروبا لا تستطيع انتظار اكتمال المشروع حتى تبدأ في معالجة اعتمادها على الشبكة الأمريكية .. بل تحتاج إلى استغلال القدرات المتاحة حالياً، وتوسيع التعاون مع الشركات التي تمتلك بالفعل أقماراً صناعية فى المدار، إلى جانب تسريع الاستثمار فى البنية التحتية اللازمة لتقديم خدمات مستقلة.
وتظل مشكلة إطلاق الصواريخ أحد أبرز أوجه الضعف الأوروبية. فالقارة لا تمتلك حتى الآن قدرة تنافسية مماثلة في الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي التكنولوجيا التي ساعدت “سبيس إكس” على خفض تكلفة الوصول إلى المدار، ومنحتها تفوقاً في إطلاق الأقمار الصناعية بوتيرة متسارعة.
ومن دون معالجة هذه الفجوة، ستظل الشركات الأوروبية معتمدة جزئياً على قدرات إطلاق خارجية، بما في ذلك خدمات منافستها الأميركية، وهو ما يحد من استقلال المنظومة التى تسعى القارة إلى بنائها.
كما أن الفجوة التمويلية وحجم الشركات يمثلان عقبة إضافية؛ إذ تتجاوز قيمة “سبيس إكس” نظيرتها الأوروبية “يوتلسات” بفارق هائل، بما يعكس الاختلاف في القدرة على جذب الاستثمارات وتمويل التوسع وتحمل تكاليف تطوير التكنولوجيا الجديدة.
ولا تقتصر المسألة على ضخ أموال حكومية فى قطاع الأقمار الصناعية، بل تتطلب رؤية واضحة لكيفية تحويل الإنفاق العام إلى نشاط تجاري قادر على جذب المستثمرين، وتوفير خدمات بأسعار تنافسية، بدلاً من إنشاء مشروعات تعتمد بصورة دائمة على الدعم الحكومي.
وفي الوقت نفسه، ينبغي على أوروبا الحذر من تحويل رغبتها فى الاستقلال التكنولوجي إلى سياسة حمائية تفرض قيوداً على الشركات الأجنبية أو تمنح الشركات المحلية أفضلية غير قائمة على الكفاءة. فمثل هذه الإجراءات قد تفتح الباب أمام ردود فعل أمريكية، فى وقت لاتزال فيه الشركات الأوروبية بحاجة إلى التعاون مع أطراف خارج القارة للحصول على التكنولوجيا والتمويل وخدمات الإطلاق.
ويتمثل التحدي الحقيقي أمام أوروبا في بناء سوق قادرة على المنافسة، لا مجرد حماية شركاتها من المنافسين. فالتكنولوجيا الفضائية تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، وقواعد تنظيمية مستقرة، وسوق واسعة بما يكفي لتبرير تكاليف تطوير الأقمار الصناعية وتشغيلها.
وقد لا تتمكن الشركات الأوروبية من إزاحة “ستارلينك” في المستقبل القريب، لكن التطورات الأخيرة تمنحها فرصة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها جزءاً من بنية اتصالات أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على مزود واحد، وبالنسبة للحكومات، لم يعد تعدد الخيارات مسألة تجارية فحسب، بل أصبح ضرورة تتصل بالأمن والسيادة والقدرة على مواصلة العمل في أوقات الأزمات.
فالدرس الذي كشفته أوكرانيا هو أن الاعتماد على التكنولوجيا لا يساوي امتلاكها، وأن من يسيطر على البنية التحتية الحيوية يمتلك نفوذاً يتجاوز حدود السوق. وإذا أرادت أوروبا استعادة موقعها في سباق الفضاء، فعليها أن تقدم بديلاً عملياً وتنافسياً، لا أن تكتفى بالتحذير من مخاطر الاعتماد على إيلون ماسك.
---